صديق الحسيني القنوجي البخاري

349

فتح البيان في مقاصد القرآن

قرأ الجمهور بنصب الأرض على الاشتغال وقرىء بالرفع على الابتداء . ثم فسر سبحانه الدحو فقال : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها فجرت من الأرض الأنهار والبحار والعيون ، والمرعى النبات الذي يرعى والمرعى مصدر سمي أي رعيها وهو في الأصل موضع الرعي ، واستعير الرعي للإنسان على سبيل التجوز . قال الشهاب : والمرعى ما يأكله الحيوان غير الإنسان فأريد به مجازا مطلق المأكول للإنسان وغيره ، فهو مجاز مرسل من باب استعمال المقيد في المطلق انتهى ، وهو استعارة تصريحية حيث شبه اكل الناس برعي الدواب أو فيه جمع بين الحقيقة والمجاز ، وقال الكرخي يجوز أن يكون استعارة معنوية . والظاهر أنه تغليب لأن قوله الآتي مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ وارد عليه ومن حقه أن تغلب ذوو العقول على الأنعام فعكس تجهيلا لأن الكلام مع منكري الحشر بشهادة قوله : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً كما مر كأنه قيل أيها المعاندون الداخلون في زمرة البهائم الملزوزون في قرنها في تمتعكم بالدنيا وذهولكم عن الأخرى . والجملة إما بيان وتفسير لدحاها لأن السكنى لا تتأتى بمجرد البسط بل لا بد من تسوية أمر المعاش من المأكل والمشرب ، وإما في محل نصب على الحال . وَالْجِبالَ أَرْساها أي أثبتها في الأرض وجعلها كالأوتاد للأرض لتثبت وتستقر وأن لا تميد بأهلها ، قرأ الجمهور بنصب الجبال على الاشتغال ، وقرىء بالرفع على الابتداء ، قيل ولعل وجه تقديم ذكر إخراج الماء والمرعى على إرساء الجبال مع تقدم الارساء عليه الاهتمام بأمر المأكل والمشرب . مَتاعاً أي منفعة لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ من البقر والإبل والغنم ، وانتصاب متاعا على المصدرية أي متعكم بذلك متاعا أو هو مصدر من غير لفظه لأنه قوله : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها بمعنى متع بذلك أو على أنه مفعول له أي فعل ذلك لأجل التمتع وإنما قال لكم ولأنعامكم لأن فائدة ما ذكر من الدحو وإخراج الماء والمرعى كائنة لهم ولأنعامهم ، والمرعى يعم ما يأكله الناس والدواب . [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 34 إلى 46 ] فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ( 34 ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ( 35 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ( 36 ) فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 ) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ( 44 ) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ( 46 ) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ أي الداهية التي تعلو سائر الدواهي الْكُبْرى أي